جوزف عون والتفاوض مع إسرائيل بداية نهاية المارونية السياسية؟ لبنان دخل جولة جديدة من التفاوض غير المباشر مع إسرائيل برعاي
جوزف عون والتفاوض مع إسرائيل: بداية نهاية المارونية السياسية؟
لبنان دخل جولة جديدة من التفاوض غير المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية، والمشهد هذه المرة مختلف. الرجل يلّي واقف بواجهة المسار هو الرئيس الماروني جوزف عون. والسؤال المطروح لم يعد فقط هل تنجح المفاوضات، بل هل نشهد الفصل الأخير من دور الماروني كرئيس جمهورية ورمز تسوية في لبنان؟
الورقة الأميركية يلّي أقرتها الحكومة اللبنانية في بعبدا رسمت معادلة واضحة على الورق: لبنان يلتزم بتطبيق الطائف والقرار 1701 وحصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك ما تبقى من أسلحة حزب الله الثقيلة خلال 120 يوماً. بالمقابل، تنسحب إسرائيل من النقاط الخمس التي ما زالت تحتلها، ويتوقف القصف، ويتم ترسيم الحدود بشكل دائم.
لكن هذه المعادلة تصطدم بواقعين متناقضين: إسرائيل تفاوض بالنار، ولبنان يتفاوض من موقع فراغ.
إسرائيل لم توقف اعتداءاتها حتى خلال فترة التفاوض. قبل جولة واشنطن الأخيرة صعّدت عملياتها في الجنوب، وهدمت قرى، ووسّعت ما تسميه "الخط الأصفر" لتثبيت واقع ميداني يخدمها على الطاولة ويجنبها الانسحاب حتى لو حصل تقدم سياسي. الحرب هنا ليست وسيلة للوصول إلى السلام، بل أداة ضغط لتقليص كلفة التنازل الإسرائيلي.
بالمقابل، حزب الله رفض أصلاً الدخول في التفاوض المباشر. الأمين العام نعيم قاسم اعتبر أن ملف السلاح شأن داخلي لا يُناقش إلا بعد الحرب، ووصف التفاوض المباشر مع إسرائيل بأنه "عبثي" ويحتاج إجماعاً لبنانياً غير موجود. النتيجة أن الدولة اللبنانية تجلس على الطاولة باسم شعب منقسم، وطرف أساسي في المعادلة العسكرية خارج المسار من أساسه.
هنا يظهر دور الرئيس جوزف عون. هو يحاول لعب دور رئيس الدولة الذي يبسط سيادته ويعيد احتكار السلاح. لكنه يفعل ذلك بلا غطاء شعبي. الأغلبية اللبنانية العابرة للطوائف لم تعد تثق بهذا المسار. في الوعي العام، التفاوض اليوم لا يُقرأ كخطوة نحو السلام، بل كاستسلام مشروط بنزع سلاح المقاومة مقابل وعود أميركية بالإعمار والاستثمار.
المشكلة ليست في نية عون، بل في بنية الدولة التي يتفاوض باسمها. دولة بلا جيش قادر على فرض قرارها، بلا إجماع داخلي، وبلا ثقة شعبية تحمي رئيسها إذا فشل.
من هنا يأتي السؤال عن مستقبل المارونية السياسية. هذه المعادلة قامت منذ نشأة لبنان الكبير على فكرة أن الرئيس الماروني هو ضامن التوازن وممثل الوجه العربي-الغربي للبلد. لكنها انهارت عملياً مع الطائف، وماتت سريرياً مع 17 تشرين وانهيار الدولة.
إذا فشلت مفاوضات عون، وتبيّن أن رئيس الجمهورية لم يعد أكثر منسّق بين واشنطن وتل أبيب بلا وزن داخلي، فسنكون أمام نهاية رمزية لهذا الدور. قد يبقى المنصب، لكنه يتحول إلى منصب بروتوكولي فارغ من المضمون.
كل المؤشرات تقول إن جولة واشنطن لن تنتج اتفاقاً نهائياً. أقصى ما يمكن أن تخرج به هو تمديد للهدنة أو تفاهمات أمنية أولية لا تغيّر الواقع. والسبب بسيط: لبنان لا يملك ما يقدّمه سوى التنازل، وإسرائيل لا تملك نية لدفع ثمن السلام. هي تربح على الأرض ولا تريد أن تخسره على الطاولة.
إذا استمرت الأمور على هذا النحو، فإن جوزف عون لن يُذكر كرئيس فشل في مفاوضات، بل كالرمز الأخير لمارونية سياسية حاولت أن تلعب دور الوسيط بين الغرب والمشرق، وخسرت اللعبة مرتين: مرة أمام الداخل، ومرة أمام إسرائيل.
وحينها يصبح السؤال الأهم ليس هل سيكون هناك سلام، بل هل بقي أصلاً كيان دولة لبنانية قادرة على التفاوض؟
حمزة العطار
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها